محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

317

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والأولياء - عليهم السلام - بالخبر القولي لا بالمعجز الفعلي ؛ فالمعجزة إنّما كانت آية دالّة على صدق المتنبّئ ؛ لأنّها نزلت منزلة التصديق بالقول ؛ وإذا كان التصديق بالقول حاصلا حقيقة فكيف يحتاج إلى ما نزل منزلته في الدلالة ؟ ! وإنّما طلب المعجزة من طلب لأحد أمرين : أحدهما : ليعاند المحقّ في دعواه ، كقولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً وأمثالها . والثاني : لأنّه لم يصدق السابق الصادق وجوّز خلوّ الزمان من الصادقين ؛ ومن اعترف بأنّ الصادق الأوّل وهو آدم - عليه السلام - ثبت صدقه وبشّر بمن بعده على لسانه ولسان من أوصى إليه ؛ وكذلك كلّ نصّ بعد نصّ وصادق بعد صادق كان مصدّقا لمن يأتي بعده ؛ فقد استغنى عن طلب دليل آخر يدلّ على صدقه . فإن قيل : هذا علم لم يعرفه كلّ أحد ولم يسمع منه [ أنّه ] صدّق من يأتي بعده ، قيل : وهو تقدير محال ؛ فإنّ كلّ صادق فهو مبعوث بذلك ؛ وهو إذا ترك ما بعث لأجله لم يفعل شيئا ، ولذلك قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ . فنادى الناس ( 138 آ ) جامعة ، وبلّغ ؛ وأشهد اللّه على ما بلّغ ؛ وهب أنّه لم يسمع منه التصديق كلّ أحد ، فكذلك المعجزة لا يراها كلّ أحد على أصلك ؛ فيجب أن يكون له مع كلّ مستجيب بآيته معجزة يظهرها له ؛ وإن قلت : إذا ثبت صدقه بالمعجزة عند قوم يثبت في حقّ الباقين ، فقل في التصديق بالقول كذلك . وسرّ آخر : أمرهم في هذه الآية بشيء ونهاهم عن شيء ، وما أمرهم به ضمّنه علّته ، وما نهاهم عنه ضمنه علّته ، أمرهم بالإيمان بما أنزل من القرآن وبيّن علّة وجوب الإيمان به ؛ إذ قال : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي لأنّه مصدّق لما معكم وجب عليكم الإيمان به والتصديق إيّاه ، ونهاهم عن الكفر به وعقّبه بعلّة الكفر بقوله : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي لاشترائكم ثمنا قليلا من الجاه والمال كفرتم ، ومن أمر بشيء ونهى عن شيء وذكر العلّة في المأمور به والمنهيّ عنه فهو « طبيب دوّار بدوائه ، قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه ، يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي وآذان صمّ وألسنة بكم ، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة ، [ ومن ] لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة فهم